
تلقيت هذه الرسالة من الإعلامي العراقي المقيم في كندا صباح خليل الزبيدي، وأقدمها للقراء الأعزاء، ليطلعوا على مشاهدات ميدانية من الشارع الاميركي،يقول في رسالته:
قرأت مقالك الأخير، وتطرق الى الأوضاع المزرية التي يعانيها الشعب الأميركي، نتيجة تخبط بوش في سياسته الهوجاء في الاعتداء على العراق وافغانستان.
لقد تسنى لي الذهاب قبل عدة ايام الى نيويورك، ودعني أصور لك الحياة في هذه المدينة، التي كانت قبل عدة أعوام توصف على انها المدينة المرفهة الأولى في العالم، لقد وجدت الفقر في هذه المدينة بشكل يعجز اللسان عن وصفه، فالمتسولون في كل مكان ينتشرون حتى في الفنادق الخمس نجوم وفي الشوارع يفترشون الأرض، بين متسول وآخر حوالي عشرين مترا والسرقات في كل ساعة، وفي كل شارع تجد السارقون ينشرون بضاعتهم لبيعها الى السائحين، ويعلن السارق عن بضاعته بأنها مسروقة، ويقول لك بالحرف الواحد اذكر لي البضاعة التي تريد وتعالى غدا لتجدها عندي، كما ينتشر السراق في باحات البنوك لكي يصطادوا كل من يتسلم النقود، قد تسلب وتنهب حاجياتك نهارا جهارا من قبل العصابات المتفقة مع البوليس، اجل متفقة مع البوليس من خلال التقاسم بالغنيمة المسروقة، وفي لحظة احتجازك من قبل العصابات لا يتقدم البوليس نحوك حتى لو كان بالقرب منك،او قد يخطفون محفظة زوجتك التي تمشي معك بسرعة ملفتة، وعند شرائك اي حاجة من اي محل وتكون هذه الحاجة غالية الثمن، وفيما انت تخرج من المحل فإنك تتعرض للسرقة بالأكراه من خلال العصابات التي يستأجرها صاحب المحل نفسه، لكي يعيد الحاجة المباعة اليك الى المحل، ومن خلال التنسيق بين صاحب المحل وهذه العصابات، بل وحتى الهاتف الجوال الذي لديك قد يسرق منك بالقوة، ولا احد يتدخل وكأنك في مدينة تخلو من رجال الأمن، واذا صادف ان دخلت الى الحمامات المنتشرة في كل مكان من مدينة نيويورك، فإنك مؤكد ستتعرض الى عملية سرقة بالقوة، إن عددا كبيرا من هؤلاء المتسولين يعمدون الى تشويه أجسادهم حتى يتبين للناس انهم معاقين، تصور يحدث هذا في نيويورك، ليس هذا فحسب بل ان العصابات المنتشرة في الشوارع، تعمد الى افتعال منظر معركة تحدث بين الشباب على الرصيف، كي تتجمع الناس ويتم سرقتهم بكل خفة، هذه الخفية لايعرفها ولم يتوصل اليها اي حرامي في العالم مهما كان محترفا في عملية النشل، واذا تركنا هذا الجانب الذي يطول وصفه ووصف الحالة المزرية التي تعيشها نيويورك، فهناك جوانب اخرى للحالة المزرية التي تعيشها هذه المدينة، فأنت حين تتحدث عن تدخل الجيش الأميركي في العراق او في افغانستان والذي اوصل اميركا الى هذه الحال، فالكل غير راض، بل ومتذمر بشكل كبير من هذا التدخل، ولاتجد اي اميركي يتعاطف مع هذا التدخل، الذي اوصل أميركا الى هذه الحال، بل والكل يجمع على ان اميركا بحاجة الى قيادة تغير هذه الحال ، الذي وصلت اليه.
هذا الكلام نقله الزميل من الشارع الأميركي.
وليد الزبيدي
كتبها المنظمة العراقية للمتابعة والرصد(معمر)/ الرصد العراقي في 03:20 مساءً ::
بين نيلسون مانديلا ..والحكام العرب
احتفل مؤخرا الزعيم الأول لجنوب أفريقيا نيلسون مانديلا بعيد ميلاده التسعين، وهو في كامل قواه العقلية، بل وحتى الجسدية أيضا، فهو على أحسن ما يرام إذا ما تمت مقارنه حالته بنظرائه في السن من مختلف أنحاء العالم، لكنك قل ما تجد له نظيرا في النضال الوطني والعمل السياسي، الذي استنزف منه فترة من أروع وأحلى فترات عمره، حيث قبع في ظل نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا سجينا لمدة 27 سنة كاملة.
ولعل تميز نيلسون مانديلا ليس في هذا الجانب وحده، إذ يمكنني أن أزعم أنّ نظراءه في النضال والجهاد كثيرون، بل ويوجد منهم من يفوقه إخلاصا ومثابرة من دون الحاجة إلى أضواء الشهرة وتقلد المناصب السياسية، أو الظفر بهالة الزعامة التي تطارد مانديلا اليوم.
إن ما يتميز به مانديلا اليوم هو اكتفاؤه بتقلد منصب رئيس جمهورية لعهدة واحدة ووحيدة، حيث كان أول رئيس أسود لجنوب إفريقيا، وذلك من ماي 1994م إلى جوان 1999م، وهي الفترة التي شهدت فيها جنوب إفريقيا انتقالا كبيرا من حكم الأقلية إلى حكم الأغلبية، وفترة من أصعب وأعقد المراحل التي ليس من السهل الانتقال بها من شعب تختلف أوصافه وأجناسه، وتعقدت تراكمات السياسة والتاريخ عليه أن يسيطر على مقاليد الحكم فيه، فوفق في ذلك أيما توفيق.
ومباشرة بعد نهاية فترة حكمه، اختار مانديلا التنحي عن ممارسة السياسة، ورضي أن يعيش مواطنا عاديا بعدما حقق لوطنه أولا ولنفسه ثانيا الأهداف التي ارتسمها، وفضل أن يتابع تحركه مع الجمعيات والمنظمات والهيئات والحركات المتنوعة والمتعددة المنادية بحقوق الإنسان حول العالم، وحماية الأطفال، ومكافحة الفقر والأمراض، والتمييز العنصري..، بل وحتى حملات لحماية البيئة، أو الإعلانات الرياضية لحملات ترشح بلاده لاستضافة التظاهرات الرياضية القارية والدولية..، كما كانت للزعيم آراء مثيرة للجدل في الغرب، مثل آرائه في القضية الفلسطينية، ومعارضته للسياسات الخارجية للرئيس الأمريكي جورج بوش، وغيرها، فكان بمثابة الأب الأكبر الذي يرضخ إليه الفرقاء في أفريقيا إذا احتدم الخلاف، أو عندما تتجاوز الأزمات الحلول الكلاسيكية، فكان محل إجماع في العديد من القضايا ولا يزال.
أكيد أن الكاريزما التي رسمتها شعوب العالم لمانديلا ليست وليدة الصدفة، بل لأن مانديلا هذا لم يمني نفسه بالسلطة الأبدية كما فعل البعض، فباتوا يتقاتلون بعد استقلال بلدانهم، أو يتنافسون في حشو ملفاتهم النضالية بأي شاردة وواردة تؤهلهم للتميز عن باقي الخلق، لا لشيء إلا من أجل الظفر بالكراسي والألقاب والمناصب، ولا ألذ وأشهى من أعلى كرسي في الجمهورية أو الدولة أو الجماهيرية أو المملكة أو السلطنة أو الإمارة، لكن مانديلا كان على العكس منهم جميعا.
فهل كان نيلسون مانديلا سيظفر بهذا القبول العالمي حول شخصه وأقواله الخالدة، حتى راسله من علماء المسلمين من يدعوه إلى أن يسلم، ويتوج من حين إلى آخر بالعدد الكبير من الميداليات والتكريمات من رؤساء وزعماء دول العالم، ولعل أبرزها جائزة نوبل للسلام في 1993م، ويختار من طرف الأمم المتحدة سفيرا للنوايا الحسنة، ورئيسا شرفيا للعديد من الحملات الدولية والمنظمات الأقليمية؟ أكيد أن قوة شخصيته تكمن في نضاله الذي صوره مناضلا وزعيما خالدا حتى قبل موته، إضافة إلى زهده في المناصب والاستبداد بها إلى أن يحل موعد الموت كما هو الشأن في بلداننا العربية العالم ثالثية.
هل أدرك كل متعنت في السلطة، ومستبد في منصبه، ومستأسد على أقرانه أن قيمته ومكانته ستتضاعف إن عاش حياته الطبيعية كباقي بني البشر، وتنازل عن مزاولة منصبه إلى الأبد كما يُنتقى الأنبياء والرسل، أليس الأجدر أن يتولوا مناصبهم لفترات محددة، فهم بشر يعتريهم التعب والهرم والضعف، وبالتالي يتركون الفرصة لغيرهم حتى يوصلوا المسير، ويستأنفوا المشوار.
أظن أن كلامي واضح لا غبار عليه في الفئة المعنية به، وبذلك سنكف من صراعات الأجنحة والتكتلات والتحالفات، ونقطع الطريق على الطامعين والمهرولين والمتنافسين بطرق ملتوية غير مشروعة للتسلط على الشعوب والاستبداد بالمناصب، ونخفف عن أوطاننا الأعباء المالية الطائلة، والهدر الهائل من الثروات الطبيعية التي يجب أن تسخر لخدمة المواطنين أولا وأخيرا كما تشير إليه الدساتير المسنونة في أوطاننا بالإجماع.
فها هي آخر دولة في قارة أفريقيا الضعيفة، المنهكة بالصراعات، والتنوعات العرقية، والاختلافات الدينية تعطي الدرس لنا، نحن لدول التي طالما تبجحنا بأننا مهد الحضارات، ومهبط الرسالات، وموطن شعب الله المختار، وواجهة العالم..، فهل من معتبر..؟؟
الاسم: المنظمة العراقية للمتابعة والرصد(معمر)/ الرصد العراقي

