تاريخ مهين في سلق القرارات المهينة
المكشوف والمستور وراء السعي المصري ـ السعودي لإخراس بعض الفضائيات غير .. الخلاعية !
.. والهدف حرماننا من الإستشهاد بآية من القرآن الكريم أو أي كتاب مقدّس .. إذا لم يعجب الاميركان ذلك!
نبيل أبو جعفر
باريس
الفترة الزمنية التي اقتضاها الاتفاق على كيفية تنفيذ قرار كتم انفاس الفضائيات العربية حالت دون تمرير هذا القرار حتى الآن ، بعد أن خاب أمل مجلس اجتماع وزراء الإعلام العرب الذي عقد في 19 حزيران في التوصّل الى اتفاق حول إنشاء مفوضيّة لمراقبة الفضائيات العربية، تنفيذاً لقرار سابق لوزراء الاعلام قضى بتنظيم البثّ الفضائي العربي.
وكان السبب الأساسي في ذلك، إتساع دائرة المتحفّظين على هذا القرار مع مرور الأيّام، إذ لم تعد تقتصر على قطر التي هبّت للدفاع عن جزيرتها التي أصبحت أكثر شهرة منها، بل انضمّت اليها كل من الإمارات والبحرين، كما سبق للجماهيرية الليبية التي انفتحت على الجماهير أن أوصت بالتريّث في تنفيذ هذا القرار، أملاً بأن يموت مع الوقت، أو تكون قد سجلّت موقفاً على الأقل.
ولذلك، لم ير وزراء الإعلام أمامهم غير الإنشغال باتخاذ قرارات هامشية لئلا يذهب اجتماعهم سدى، وكانت من قبيل تغيير اسم اتحاد اذاعات الدول العربية الى اتحاد الإذاعات والتلفزيونات العربية!؟، أو الاشادة بما قامت به بعثات الجامعة العربية في الخارج من مهام وأنشطة إعلامية (مع أنها لم تقم بشيء من هذا القبيل)، أو بحث ما سُمّي بالحملة العربية لترشيد استهلاك المياه، ناهيك عن ترحيب مجلس وزراء الاعلام بالتوقيع على مذكرة تفاهم مع الصين في مجال الاعلام!؟
وللأمانة الصحافية لا بد من التنويه الى ان الفقرات السابقة ليست إلاّ نصاً حرفياً منقولاً عن القرارات الرسمية المعلنة. وأن الذي أصرّ على تمرير قرار انشاء مفوضية المراقبة كان وزير الاعلام المصري أنس الفقّي، بالرغم من أن مصر هي صاحبة شمس الفضائيات العربية، وملكة الدراما العربية، وغير ذلك من النّعوت المتميّزة بالإدعاءات التي تُطلقها هي على فضائياتها المتعدّدة، كما أنها تمتلك القمر الاصطناعي نايل سايت التي تبثّ عن طريقه العديد من الفضائيات الأخرى ويعود عليها بدخلٍ وفير. ومع ذلك، فإنها لم تتوان عن وضع خدّها الإعلامي المنتفخ بالإدعاء تحت مَدَاسْ وزير الاعلام السعودي إياد أمين مدني، تنفيذا لرغبة طوال العمر في تكميم انفاس الفضائيات (غير الخليعة طبعاً). فقد كان الوزير السعودي أكثر تحمساً من المصري (من الباطن أكثر من الظاهر كعادة النهج التاريخي للمملكة)!
غير أن انفضاح أسباب هذا القرار، وتوقيته مع تصاعد الدعوات الأميركية.. الاسرائيلية للإصلاح والترشيد وتهذيب لغتنا العربية، وتنقية عباراتها – حتى الدينية – من الشوائب الماسّة بالتسامح وبالجارة إيّاها على وجه الخصوص، دفع بعض العرب من الذين سايروا الإجماع الرسمي عند اتخاذ هذا القرار، أن يُعيدوا النظر في الأسباب الحقيقية التي استوجبت فرضه فجأة، وقد ساعدهم على ذلك مرور فترة زمنية من الوقت بين اتخاذ قرار تنظيم البث الفضائي، والموافقة على تشكيل المفوضية التي ستضع هذا القرار موضع التنفيذ.
تاريخ مهين في سلق القرارات الخطيرة
لولا ذلك، لكان قد تمّ سلق العملّية واتخذ قرار التنفيذ سريعاً من قبل المسؤولين المصريين، الذين أصبحوا من أشهر خبراء العالم في سلق أخطر القرارات المهينة للأمة والتاريخ وتنفيذها فوراً. ولدينا من الأمثلة على ذلك ما يندى له الجبين، يمكن ذكر إثنين منها على سبيل المثال أحدهما استهدف الوطن بأكمله وغيّر مجرى تاريخه، والآخر استهدف الثقافة والدّين والعقل الإعلامي داخل مصر وخارجها أيضاً.
أولهما: سلق قرارات قمة القاهرة التي عُقدت بعد اجتياح الكويت، وأدّت الى إغلاق الباب أمام أي حلّ عربي أو تسوية سلمية مع العراق، وفتحت أبواب حفر الباطن للقوات الأجنبية التي سبق أن أثبتنا بالوثائق في مقال سابق أنها كانت قد حلّت في ديارنا المقدسة قبل اتخاذ القرار المضمون سلفاً! حدث ذلك – كما نذكر جميعنا – في غضون ساعة او ساعتين، ورغم الاعتراض الشديد من قبل الراحل الملك حسين، وصراخ العقيد القذافي بانفعال، واندهاش آخرين لازموا الصمت. وهكذا كان قرار استباحة أمتنا أسهل من غمضة عين، بعد أن تمكّنت مصر الرئيس مبارك من سلق قرار القمّة حسب توجهات السعودية، وبدفع منها ومن دول الخليج التي كانت قد اشترت ذمّة أمين عام الجامعة وجعلته موظفاً صغيراً في جيبة سعودي من أصل هندي تولّى مهمّة التخريب المخابراتية تحت ستار مؤسسة للدراسات والأبحاث وما شابه، اتخذت من العاصمة الفرنسية مقراً لها.
وهكذا فتحت مصر الرسمية من يومها نار جهنم الدولية على أمتنا من بوابة استهداف العراق وشنّ الحرب الدولية عليه، (يمكن الإطلاع على خفايا الموقف المصري من خلال قراءة الكتاب الأبيض للملك حسين الذي اختفى من الأسواق والمكتبات بعد ذلك؟.
ثاني هذين المثالين جرت وقائعه بعد خمس سنين من سلق قرار قمة القاهرة، وتحديداً في أواخر نيسان من العام 1995. يومها كان مجلس الشعب المصري قد فضّ دورة اجتماعاته السنوية، وذهب كل نائب الى حاله بانتظار الانتخابات النيابية التي ستجري في شهر تشرين الثاني من العام نفسه.
غير أن الجميع فوجىء بعد ذلك مباشرة بصدور قرار جمهوري يدعو مجلس الشعب للاجتماع، كما لو ان هناك حادث طارىء. ثم سرعان ما تبيّن أن جدول اعمال الاجتماع لم يكن يتضمن شيئاً من هذا القبيل، بل قضايا يومية عادية! ولهذا كان من الطبيعي ان لا يهتم النواب كثيراً للأمر، وان يغيب سوادهم الأعظم عن الجلسة.
لكن إصرار السلطات المصرية على تمرير ما في نيّتها سريعاً، دفعها الى استدعاء اعضاء لجنة الشؤون الدستورية الى اجتماع سرّي قُبيل ظهر يوم الجلسة، فوجدوا أنفسهم أمام مشروع مفاجىء وغريب، نظراً لعدم طرحه سابقاً، ولعدم ملحاحيته في الوقت نفسه، ويتعلّق بتنظيم أعمال الصحافة، أو بالأصحّ تهذيب الصحافة. أما بنوده فتستهدف تكميم أفواه حملة الأقلام، وتجريد السلطة الرابعة من أي سلطة ـ أو رأي ـ في وجه شريحة متسلّطة من القطط السمان.
وقبيل منتصف ليل اليوم نفسه التأمت الجلسة التي لم يحضرها سوى 40 نائباً من أصل 475، وتم طرح مشروع القانون على التصويت، بالرغم من عدم قانونية ذلك، لأن لائحة المجلس نفسه تشترط حضور نصف الأعضاء، غير أن رئيس المجلس أصرّ وفق تعليمات عليا على اجراء عملية التصويت بمن حضر، ولم يأبه لطلب بعض النواب تأجيل التصويت ولو لفترة قصيرة بهدف مناقشة مشروع القانون على الأقل، وهكذا مر القانون في أكبر فضيحة وفي ظل تجاوز علني للقانون ولوائح المجلس الديمقراطي جداً!
فتشّوا عن الاميركان.. دوماً
صحيح أن بعض القوانين تمرّ على عجل، تنفيذاً لمصالح أو ضغوط، ولكن ليس بصيغة السلق الفضائحية وغير المشروعة هذه. غير ان المثل يقول إذا عُرف السبب بَطُل العجب. وسبب هذا السلق كما اتضح لاحقاً يعود الى ان لوبي كبار رجال الأعمال، ومعظمهم أعضاء في المجلس المصري – الاميركي، قد ضاقوا ذرعاً بفتح أعين الصحافة عليهم، ودسّ أنف بعض الكتاب في شؤونهم الخاصة – وهي بالمناسبة تتعلق بالصفقات والرشاوي وترويج المنتجات الفاسدة وما الى ذلك – فقررّوا استغلال الفرصة المواتية وقتها كي يضعوا حداً لذلك.
وتنفيذاً لهذا التوجّه سارع وفد منهم بعد فضّ مجلس الشعب دورته السنوية الى الاتصال بالحكومة، وأبلغها انه لن تقوم المجموعة بدعم الحزب الوطني الحاكم مالياً في حملته الانتخابية الآتية بعد شهور إن لم يعمل على وضع حدّ للألسن السليطة عن طريق سن قانون يحمي رجال الاعمال، ويحاسب من يعكرّ مشاريعهم الساعية الى تطوير البلد. ولما كانت اجتماعات المجلس قد انفضّت، فما كان من السلطات العُليا غير استدراك الامر بالدعوة الى اجتماع لسلق ما أرادهُ الاميركان المصريون!
ومن يومها كُسرت سبحة القرارات وكم الأفواه وتزوير إرادة الناس، حتى وصل الامر الى حرف الازهر عن مهامه الأساسية، وجعله بوقاً سياسياً للسلطة، يُصدر الفتاوي التي تريدها، بدل ان يكون كما عرفه الجميع منذ أن أُنشىء في عهد الدولة الفاطمية منبراً تنويرياً ووطنياً. وها نحن نرى الأزهر في أيامنا هذه وقد غدا مرجعاً لتبرير الطاعة لكل السلاطين، ومراعاة الجيرة مع الجزّارين، واعتبار كل من يذهب لقتال المحتلين في العراق إرهابياً دولياً! وأكثر من ذلك، تكفير غير الكافر، ومصادرة أي كتاب أو مخطوطة إن لم تُعجب ولي الأمر!
وهكذا على منوال المثالين السابقين كان يُراد سلق إنشاء مفوضية للرقابة على الفضائيات تقوم بتنفيذ القرار المصري ـ السعودي ـ الاميركي من خلال الرصد اليومي لما تبثّه ورفع تقارير دورية لوزراء الاعلام العرب كي يحاسبوا القناة المتطاولة على تصرفها.
نعم، يحاسبوا على الكلمة والتعبير وحتى على ما في النفس، فقد أصبح في بلادنا خبراء في المحاسبة والقياس وفرز المسالم من الارهابي، والمسيء من المفيد وهكذا! وليس هذا بجديد ـ وللعلم ـ ، فقد عملت الولايات المتحدة على التهيئة له منذ سنين. ولا يحتاج المرء الى جهد حتى يدرك أن ما باتت تُقرّه أنظمتنا بحق شعوبها وفي مقدمة ذلك تكميم الأفواه ومعها العيون والآذان ليس من بنات أفكارها وحدها، بل يُفرض عليها فرضاً.
وللتذكير، فقد سبق أن نشرنا في مقال سابق كيف أوفدت الولايات المتحدة أواخر العام 1993 الى القاهرة عشرين خبيراً، بعضهم مستشرق يُجيد العربية لمراجعة المصطلحات الإعلامية والعبارات التي تُثير كراهية الجيران، وقد تمّ التركيز على كتب التاريخ والدين، وكان من نتيجة ذلك أن وافقت وزارة التربية المصرية يومها على تقليص دروس التاريخ الاسلامي – على سبيل المثال – المقررة على سنوات الدراسة وحصرها في الإعدادي فقط، كما تمّ الاتفاق على حذف ما يتعلّق بالمعارك التي خاضها الرسول العظيم محمد ضد اليهود من هذه الكتب.
بدايات الأمركة في مصر المحروسة!
ما لم نقله يومها أن هيئة المعونة الاميركية قد قرّرت في ضوء هذا الاتفاق تقديم عدد من المنح الدراسية للطلبة المصريين ومعونات تبلغ قيمتها 50 مليون دولار من أجل تطوير البرامج المدرسية!
إلى هنا الأمر مفهوم في سياقه، لكن المريب فيه أن اللجنة اشترطت ان يكون إنفاق هذا المبلغ منوط بالخبراء الاميركان المتواجدين فيما يسمّى مركز تطوير المناهج المصرية. واكثر من ذلك، اشترطت ان يُخصّص جزء من هذا المبلغ لتدريب مجموعة من المدرّسين المصريين في الولايات المتحدة على تقنيّات التعليم الجديدة في ضوء التوجهات السلمية المتفّق عليها.
وبالفعل، بدأت القاهرة من يومها بإيفاد هؤلاء المبعوثين. ومثلما فعلت أميركا مع مصر، فعلت الشيء نفسه مع العديد من بلداننا التوّاقة لتقنيّات السّلم الاميركي، حتى انها درّبت اكثر من مسؤول كبير وحاكم أيضاً، قبل أن تضعه على كرسي الحكم!
أميركا هذه التي تدور في فلكها كل من السعودية ومصر على رأس باقي الأتباع لا يهمّها – بالطبع – ملاحقة أقنية العهر والجنس الفاضح ولا السخافات الفنيّة الهابطة، بل على العكس تريد تعميمها اكثر، ولذلك فإن ملكية معظمها يكاد ينحصر في الأمراء والمشايخ ومليارديي الاتّجار بكل ممنوع.
ما يهمّها في الأساس ان لا تكون هناك أقنية وطنية حرّة – ولو نسبياً – تخاطب عقول الناس، وتكشف خفايا ما يُخطّط لأمتنا. وتفتح مجال التعبير لكل صاحب رأي، حتى لو فتحت مثل هذه الأقنية أذرعها لرموز العدو كالمسؤولين الأميركان والصهاينة، مثلما تفعل قناة الجزيرة القطرية.
ما يهمّها اكثر أن تسير هذه الأقنية، كما تسير معظم وسائل الاعلام المكتوبة والمسموعة التي جرى تطويعها وفق تقنيات التوجّهات الأميركية السلمية، وأن تُراعي تهذيب اللغة واختيار المفردات، وتنقية الأخبار والتعليقات وحتى الآراء من الشوائب.
وعلى هَدْي هذه الاهتمامات الاميركية كان من الضروري صدور قرار وزراء الاعلام العرب بتنظيم البث الفضائي ومراقبته، تحت حجّة الحؤول دون النيل من هيبة الحاكم او التطاول عليه!، غير أن الاجتماع الاخير لهؤلاء الوزراء الذي فشل في انشاء مفوضية الرقابة قد أفصح بصراحة أكثر عمّا يرمي إليه حين دعا بالنص الحرفي مختلف وسائل الاعلام العربية الى إجراء حصر شامل للمصطلحات الإعلامية مدعماً بمؤشرات حول أكثرها تداولاً واستخداماً، داعياً الى تشكيل فريق عمل متكامل من الخبراء والمتخّصصين تُناط به مراجعة دورية لهذه المصطلحات وتنقيتها من التعابير المشوهة والزائفة، وباعداد دليل للمصطلحات العربية (غير الشائبة!) مدعماً بملحق ارشادي لقواعد استخدامها!!
يعني باختصار: سيُحرم علينا الاستشهاد بآية من القرآن الكريم إن لم تُعجب الأميركان.. وسنُمنع من الاستشهاد بما ورد في أي كتاب مقدس آخر إذا لم يصبّ ذلك في مصلحتهم وفي سلمهم وحتى احتلالهم!!
هذا ما يُريد تعميمه وزراء... إعلامنا؟!